حسن الأمين

156

مستدركات أعيان الشيعة

رفض الأيوبي ذلك ، أمر اللنبي بانزال الأعلام العربية في بيروت والمدن الساحلية الأخرى عنوة ، وأرسل فيصل برقية احتجاج طويلة إلى اللنبي ، وعاد شكري الأيوبي ورستم حيدر إلى دمشق . في مؤتمر الصلح ولما عقدت الهدنة العامة بين ألمانيا والحلفاء ، وبدأت الاستعدادات لعقد مؤتمر الصلح في باريس ، استفسرت وزارة الخارجية البريطانية من اللنبي في دمشق ، ووينغيت في القاهرة ، عن رأيهما في توجيه الدعوة إلى الملك حسين ، ملك الحجاز ، للمشاركة في مؤتمر الصلح ، باعتباره مساهما في المجهود الحربي للحلفاء ، على أن يمثله ابنه الأمير فيصل ، فلما أيدا الفكرة أبرق الملك حسين إلى فيصل طالبا إليه حضور المؤتمر مندوبا عنه ، فتوجه فيصل إلى فرنسا في يوم 22 تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1918 على ظهر الطراد « غلوستر » قاصدا فرنسا وكان يرافقه نوري السعيد ورستم حيدر والدكتور أحمد قدري وفائز الغصين . وقد وصل الطراد إلى مارسيليا يوم 26 تشرين الثاني [ ] 1918 ، وكان في استقبال فيصل لورنس موفدا من الحكومة البريطانية ، والمسيو برتران عن الحكومة الفرنسية . ولما وصل فيصل مدينة ليون أبلغه الكولونيل بريمون - المندوب الفرنسي الثاني - أنه ليست لدى فرنسا أية معلومات عن المهمة الرسمية التي أنيطت به في فرساي « ولذلك فليس من المرغوب فيه أن تواصل سفرك إلى باريس » ، ( 1 ) وكان ذلك صدمة كبيرة لفيصل . وبعد أن قضى فيصل في فرنسا عشرة أيام زار خلالها بعض المدن الفرنسية ، وميادين الحرب ، وجهت إليه الدعوة أخيرا لزيارة باريس بنتيجة ضغط شديد من بريطانيا ، فسافر إليها واستقبله رئيس الجمهورية بوانكاريه وفي مساء يوم 9 كانون الأول ( ديسمبر ) 1918 غادر فيصل وحاشيته فرنسا إلى انكلترا ، فوصل لندن في اليوم التالي . ويستأنف رستم حيدر تدوين مذكراته في لندن ابتداء من يوم 15 كانون الأول 1918 بعد أن انقطعت منذ 9 تشرين الأول ( أكتوبر ) 1918 في دمشق ، فيصف مدينة لندن ، كما بدت في ذلك الوقت ، ويدون تفاصيل اجتماعات فيصل باللورد كرزن في وزارة الخارجية ، وعاد فيصل إلى باريس في 7 كانون الثاني ( يناير ) 1919 لحضور مؤتمر الصلح مندوبا عن الحجاز ، وكان رستم حيدر المندوب الثاني . وافتتح المؤتمر في 18 كانون الثاني ، وفي 6 شباط ( فبراير ) ألقى فيصل في المؤتمر كلمته التي عرض فيها وجهة النظر العربية أمام « مجلس العشرة » بحضور الرئيس الأمريكي وودرو ويلسن ، ورئيس وزراء بريطانيا لويد جورج ، ورئيس وزراء فرنسا كليمانصو ، ورئيس وزراء إيطاليا أورلاندو الذين كان يشار إليهم باسم ( الأربعة الكبار ) . وفي 23 نيسان ( أبريل ) 1919 غادر فيصل باريس عائدا إلى سوريا ، بعد أن قضى في أوروبا خمسة أشهر تقريبا ، وتختلف رستم حيدر في باريس وأصبح مندوبا للحجاز في المؤتمر ، كما أصبح عوني عبد الهادي المندوب الثاني . وخلال هذه المدة كانت الأحداث في سوريا تتوالى ، والسياسة الدولية تجاهها تمر بتقلبات مؤلمة ، ودارت حولها مساومات لا تمت إلى مصالحها بسبب ، بل كانت صراعا بين الدول الكبرى على اقتسام غنائم الحرب . ووجدت بريطانيا إزاء تعنت فرنسا ، أنها لا تستطيع أن تضحي بحليفتها من أجل العرب مهما كانت تعهداتها لهم في ساعة الشدة . واقترح الرئيس الأمريكي ويلسن إرسال لجنة تحقيق لمعرفة رغبات سكان المنطقة ، فرفضت فرنسا الاشتراك في اللجنة ، أما بريطانيا فإنها بعد أن وافقت على الفكرة مبدئيا ، عادت فتخلفت عن إرسال ممثليها . وسافرت لجنة التحقيق التي اشتهرت باسم عضويها الرئيسيين « كينغ وكراين » بعد الملابسات التي رافقت تأسيسها وايفادها . وبعد عودة اللجنة وتقديمها تقريرها الذي وضع على الرف ، دعت الحكومة البريطانية الأمير فيصل لزيارة أوروبا مرة أخرى للتداول مع لويد جورج واللنبي وكليمانصو حول القضية السورية ، وإبلاغه بموضوع انسحاب القوات البريطانية من سورية وترك المجال لفرنسا كليا . فوصل فيصل إلى لندن في 19 أيلول ( سبتمبر ) وعقد سلسلة من المباحثات مع الحكومة البريطانية استمرت حتى 14 تشرين الأول ( أكتوبر ) 1919 ، واشترك في المباحثات من الجانب البريطاني رئيس الوزراء لويد جورج ، ووزير الخارجية اللورد كرزن الذي خلف بلفور في منصبه حديثا ، واللنبي ، وستورز ، وكورنواليس . أما الوفد العربي فكان مؤلفا من فيصل ، والجنرال حداد ( باشا ) ، وفؤاد الخطيب ، ورستم حيدر ، وعوني عبد الهادي . ويروي رستم حيدر في يومياته تفاصيل اجتماعات فيصل بالمسؤولين البريطانيين وكيفية قضائه أوقاته في لندن يوما بيوم ، ويدون ملاحظاته وانطباعاته عنها . ومن لندن سافر فيصل إلى باريس بناء على نصيحة كرزن لمفاوضة كليمانصو للحصول على أفضل الشروط الممكنة . ودارت المفاوضات باشراف كليمانصو ، وكان يقوم بها مسيو « غو » مدير الشؤون الشرقية في وزارة الخارجية ، وبرتلو المدير العام لوزارة الخارجية ، وروبير دوكيه الذي دبر حملة الصحافة لدعم الادعاءات الفرنسية في سوريا . كما كان رستم حيدر وعوني عبد الهادي يفاوضان باشراف فيصل وتوجيهه . وكانت مفاوضات صعبة وجه فيها الفرنسيون اهتمامهم الأول إلى حمل فيصل على الاعتراف بان سوريا يجب أن تقع ضمن منطقة النفوذ الفرنسي . ومرت هذه المفاوضات بمراحل عديدة ، واستغرقت عدة شهور ، وغادر فيصل باريس في 7 كانون الأول ( يناير ) 1920 على ظهر سفينة حربية فرنسية أيضا ، وبقي رستم حيدر ونوري السعيد في باريس يواصلان الاتصالات والمباحثات ، ثم عاد نوري السعيد أيضا إلى دمشق بعد مدة قصيرة . وعلى أثر وصول فيصل إلى دمشق اجتمع « المؤتمر السوري » في 8 آذار ( مارس ) وأعلن استقلال سورية ومبايعة فيصل ملكا . وفي الوقت نفسه اجتمع ، في دمشق أيضا ، « مؤتمر عراقي » قرر فيه العراقيون - الذين كان في سوريا عدد غير يسير منهم - إعلان استقلال العراق وملكية الأمير عبد الله بن

--> ( 1 ) من تصريح نقلته عن الملك الأول المسزارسكين في كتابها عن سيرته : : . . . 97 . ، 1933 ، . ،